السيكارة... هذا المخدر الشرعي؟!

في نطاق حملته التثقيفية الطبية للسنة الليونزية المنصرمة يكتب الدكتور طوني ابراهيم هذا المقال  :

 «التدخين« معروف منذ ستة الاف سنة، جائنا من «العالم الجديد الاميريكي«. كان له قيمة مقدسة، إستعمله الهنود الأميركيين بشكل واسع في الإحتفالات الدينية . حيث كانت المجموعة أثناء الصلاة تقدم على تدخين غليون ينتقل من شخص الى آخر ، والدخان الذي يتصاعد هو ليصل الانسان بالسماء .                                                   

عند إكتشاف أميركا منذ 500 سنة  إستقدمه جماعة «كريستوف كولومبس« للحشرية أو لاستقدام شيئ جديد . إستعمل في الطب  في بادئ الأمر. «كاترين دو ميديسي« إستعملته للتخفيف من وطأة وجع الرأس ( الشقيقة ) بفعالية و بناء على نصيحة  السفير جان نيكو ومن هنا جاءت كلمة «نيكوتين«  للدلالة  على المادة  المخدرة الموجودة في التبغ  .

ولكن بسرعة فائقة إبتعد الناس عن إستعماله  كدواء الى إستعماله للذة التدخين ، حتى أثناء القداس  والممارسات الدينية . مما دعا البابا أوربان الثامن الى استصدار قرار يحرم كنسياً كل من يدخن داخل الكنيسة . وعدداً كبيرا من الحكام  في انكلترا، في ايران ، في القسطنطينية، حاول ردع هذه الآفة دون جدوى ، بينما عدد آخر رأى فيها أجمل اختراع لتعبئة خزانة الدولة .                 

 سنة 1830 كان ظهور أول سيكارة ، معها بدأ تنشق الدخان مما زاد كمية «النيكوتين« المستهلكة. قبل ذلك كان الغليون الطويل يبعد الدخان المتصاعد عن الانف ويقلل نسبيا كمية النيكوتين المستهلكة  .

 وهكذا الجهل الكلي لضرر الدخان ، تركه ينتشر اثناء 500 سنة دون عائق يذكر ، الى أن جاءت «دراسة فرامينغام« التي اظهرت منذ الستينات ان  الدخان مضر للصحة .

من انواع التدخين :

 تنشق الدخان بشكل بودرة ناعمة دون حريق                                          

 علك ورقة الدخان و مضغه

 الغليون بكل أشكاله

 النرجيلة

 السيكار

 السيكارة : التي تحتوي مع أوساخ الدخان على أوساخ ورقة السيكارة وهي الأخطر بين كل هذه الأنواع .                                         

الدخان يحتوي على 3000  مركب ، والأكثر كمية هو «النيكوتين« المخدر الذي  له ضرره ايضا ، الغودرون وأكسيد الكربون الذي ليس لهم إلا الضرر .

عندما يحدث التدخين ترتفع كمية النيكوتين في الدم لتتناقص تدريجيا بعدها ، مما يخلق الحاجة الى معاودة أخذ سيكارة ، ومع مرور الزمن تصبح عملية هبوط النيكوتين في الدم اسرع  واسرع ما يوقظ الحاجة الى أخذ السجائر بوقت اقرب ، لأن الجسم يعتاد عليها . ناهيك عن ان الذي يغيّر نوع الدخان يغير من نسبة النيكوتين  مما يدفعه  الى زيادة عدد السجائر ايضا. انه نوعا ما ادمان  دون ان ندري ، لذلك قيل هذا المخدر الشرعي .

«النيكوتين« يعمل في الدماغ في مركز اللذة وهو نفسه الذي تعمل فيه المواد التي تدمن بقوة مثل : هيرويين ، كوكايين ، أمفيتامين ، وكحول . وهذا ما ينتج السعادة في التدخين وقت الراحة ، والإنتباه والوعي والذاكرة في اوقات العمل ، ولكن طبعا كل هذا في المدى القصير ليس إلا ، وقطع الشهية وحرق الدهون وخلق الامراض في المدى الطويل . أما الغودرون وأكسيد الكربون ليست سوى أوساخ تترسب في المجاري الهوائية وكلما صغرت كلما ذهبت بعيدا في الرئة حتى تتمكن من دخول الدم وتترسب بالتالي في الشرايين مما ينتج عنه أمراض لا عدّ ولا حصى لها  نذكر منها

الضغط المرتفع ، نشاف الشرايين ، الجرحات القلبية ، الذبحة الدماغية ، النشاف في الكلي، النشاف في الجهاز الهضمي، والنشاف في الارجل. هبوط الـ 3ˆîپےپےHDL (الكوليسترول الجيد )، نذكر أيضا قصور الرئة ، موت الاطفال اثناء الحمل ، سرطان بيت الرحم ، إلتهاب المعدة والتقرحات ، سرطان الحنجرة والمريء ، سرطان الفم  ،  وسرطان المبولة .

ان ما لا يقل عن 400000  ألف شخص يموتون سنوياً في الولايات المتحدة من جراء التدخين ، اي 1 -2  بالالف ، والنسبة اعلى في لبنان . 46 مليون مدخن في اميركا ، و 13 مليار مدخن في العالم . ان كل سيكارة تقصر العمر 5 الى 10 دقائق ، الذي يدخن بين عمر 17 و 60 سنة يقصّر عمره بمعدل 10 سنوات ، دون الاخذ بعين الاعتبار الآفات مثل الشلل بسبب الذبحة الدماغية .

الحل يكمن في التوقف عن التدخين ليس إلا ، لكن هذه المهمة صعبة للغاية ، ومعظم الذين يتوقفون عن التدخين في مرحلة «جرحة قلبية« يعودون اليه بنسبة  80 % بعد سنة.

هنالك وسائل قد تساعد ، منها الدواء ، منها علك او لزقة نيكوتين مع تشجيع من قبل العائلة والطبيب ، ولكن ذلك لا نفع له دون قرار حازم وشجاع من قبل المدخن نفسه .

اما العمل الاكثر فعالية فهو عدم البدئ في التدخين ، العمر الأكثر ضعفا للسيكارة هو بين 16 و 18 سنة ، إذا نجحنا في ردع المراهق عن السيكارة في المدرسة و البيت في هذا العمر نكون قللنا من خطر الإقتراب منها بنسبة كبيرة جدا .                    

هنالك أيضاً عمل يجب ان تقوم به الحكومات ، مثل منع التدخين في الاماكن العامة ، مثل زيادة الثمن  وهو ما يحصل بشكل منقطع النظير لأنه مصدر ثروة للخزينة ،وهو ما يحول  دون الموافقة على إلغاء الدعاية للدخان. أذكر جيداً بعض الاراء في اوروبا من قبل المسؤولين ، تقول لماذا تريدون ان نوقف الدعاية عن السيكارة ، فالدعاية تعطي مالا ، بيع السيكارة يعطي مالا والذين يموتون من السيكارة هم فوق ال 65 سنة أي في العمر الذي هم فيه على كاهل المجتمع ، فلماذا لا نوفّر على الخزينة من هذا القبيل . وهؤلاء الناس ورائهم شركات صنع دخان هم اصحاب السلطة ولا يهمهم ابدا انقطاع هذا المورد.«                    

ان الدخان آفة اجتماعية لا محالة ، ومكتشفه كان عبقري لا محالة ايضا ، بالرغم من انه يدمن فهو ادمان شرعي ، والسبب ان ضرره بطيء ولا يظهر قبل 30 او 40 سنة ، اما المدمنات الاخرى فإن ضررها اسرع بكثير ، ولذلك لم تتنبه المجتمعات باكرا الى ضرره ، ولكن وقد عرفنا هذا الضرر والذي ليس بالقليل ابدا ، هل من العقل ان يستمر بيعه وبغطاء شرعي من الدولة؟