![]() |
|
في «يوبيل أسقفيته«.. تاريخ زحلة «إن حكى« عن حياة راعيها المطران اندره حداد!
نبذة وحياة: عام 1930 في 20 أيلول ولد «جوزف عجاج حداد« في بلدة روم الجنوبية. 1935 فقد والده عجاج بحادث غامض. 1940 دخل إكليريكية دير المخلص، حيث تابع دروسه التكميلية والثانوية، وحصل على شهادتَيّ البكالوريا والفلسفة الحكوميتين. 1946 دخل دير الإبتداء، وفي ختام السنة في 15 آب أبرز نذوره الأولى البسيطة في هذا الدير. 1951 في كانون الثاني أبرز نذوره الإحتفالية النهائية في دير المخلص. 1954 في 13 حزيران رسم كاهناً على مذابح الرهبانية المخلصية عن يد المطران باسيليوس خوري، وإختار إسم «أندره« تيمناً بالرسول أندراوس، بعد أن أتم في الإكليريكية الكبرى دروسه الفلسفية واللاهوتية بنجاح كبير. عام 1955 تابع، إلى جنب المهام التي عهدت إليه في الرهبانية، دروساً في الحقوق في الجامعة اللبنانية وفي العلوم الإجتماعية في المركز الثقافي الفرنسي في بيروت. عام 1956 عمل في مدرسة دير المخلص ذات الفرعين الإكليريكي والعلماني مديراً للدروس وللنظام ومدَرساً للأدب العربي، وأسس فيها فرقة كشفية وأخرى في المدرسة الأسقفية بصيدا، وانتخب مفوضاً عاماً للكشاف المسيحي في الجنوب، وحضر في مصر مؤتمراً كشفياً عربياً ''جامبوري'' صادف يوم تحرير قناة السويس أيام حكم عبد الناصر. عام 1964 ترك المدرسة وتسلم إدارة المطبعة المخلصية، وفي الوقت نفسه خدم رعايا في الشوف: المختارة - بطمة - عماطور. عام 1965 عين رئيساً لدير المخلص، المركز الأم للرهبانية الباسيلية المخلصية، وأنجز فيه تجديدات عديدة في التنظيم والزراعة والعمران والعلاقات الطيبة مع الجوار وخاصة مع الشبيبة. عام 1968 إنتخب «مدبراً رابعاً« في الهيئة القانونية للرهبانية، وإستمر معها في رئاسة دير المخلص. عام 1971 عين رئيساً لمدرسة دير المخلص، وقام بتجديدات كثيرة وبنى «بيت الشباب« الّذي تحوّل مركز لقاء لكل شباب المنطقة. وقامت حركة شعبية تطالب بترشيحه للنيابة عن المقعد الكاثوليكي في دورة 1972 في قضاء جزين، لكن السلطة الكنسية لم توافق. عام 1976، وعلى أثر الهجوم على الدير وتفاقم الوضع وفلتان الأمن في المنطقة، طلب الرئيس العام الأرشمندريت ميشال حكيم من الأب أندره، وحفاظاً على حياته، مغادرة الدير والمنطقة. فتوجه في حزيران إلى عمان في الأردن، وفي 15 آب 1976 عاد إلى زحلة، وبدأ مرحلة جديدة من حياته.
العمل الرسولي في زحلة من 15 آب 1976 إلى 14 حزيران 1983: «1976 - 1977« تسلم إدارة الفرع الثانوي في الكلية الشرقية، وترك تأثيراً عميقاً في نفوس الشبيبة التي فتح لها آفاقاً جديدة من المحبة والعطاء. وقد ذاقت بلدته «روم« مرارة التهجير. ولما عاد أهلها إلى بيوتهم المنهوبة، أخذ الأب أندره حداد يتردد دورياً إلى البلدة للمساعدة وإعادة الثقة. وساهم في تأسيس فرع لكاريتاس ومنظمة فرسان مالطا. وحقق مشروعاً رائداً لتوحيد المسيحيين، إذ نظم إقامة قداس واحد يوم الأحد في كل من كنيستَيّ البلدة بالدور، مرة عند الكاثوليك ومرة أخرى عند الموارنة، يحضره الجميع معاً؛ وهذه العادة مستمرة حتى اليوم.
1977 - 1980 عمل مرسلاً متجولاً للوعظ والتعليم المسيحي والقداديس في المدارس ومع الشبيبة، ومحركاً للمسيرات الشعبية خاصةً في خميس الجسد الإلهي. وقد إعتمد طريقة حديثة للرسالة، هي «الكاسيت الدينية«.
1980 - 1983 عينته الرهبانية المخلصية مسؤولاً عن مشروعها الإجتماعي «دار الصداقة« في زحلة، ورئيساً للرعية في حوش الأمراء. بعد أن زاد عدد الأولاد المنتسبين إلى الدار، إستأجر لهم شقة في بناية مجاورة، وإشترى أرضاً في «كسارة« لبناء المؤسسة الجديدة حيث هي اليوم، وأسس فرقة دار الصداقة الفنية.
الأسقف الراعي والقائد بعد وفاة راعي الأبرشية المطران أغسطينوس فرح في 31 آذار 1983، وإلتئام السينودوس المقدس لكنيسة الروم الملكيين الملتئم في المقر البطريركي في الربوة في 14 حزيران 1983 إنتخب الأب أندره حداد مطراناً على أبرشية الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك في حقبة عاصفة من تاريخ لبنان والمنطقة.
الرسامة والتنصيب إستعد للرسامة المقدسة برياضة روحية لمدة أسبوع في دير مار موسى الدوار للرهبنة اللبنانية قرب بكفيا. في السابع من آب 1983، تمت رسامته الأسقفية في بازيليك القديس بولس في حريصا على يد البطريرك مكسيموس الخامس حكيم. في الثامن من آب، قام بالزيارات الرسمية لبعض المراجع الوطنية والكنسية. في التاسع من آب، زار أمه الرهبانية المخلصية التي أعدت له إستقبالاً حافلاً في دير المخلص البيت الأم. في الحادي عشر من آب، توجه إلى بلدته روم حيث إحتشد أبناء القرى المجاورة، وأقيم له استقبال كبير. السبت في الثالث عشر من آب، توجه إلى زحلة عبر طريق ضهور الشوير. وقبل دخوله المدينة، زار مقام سيدة زحلة والبقاع حيث سلمه رئيس البلدية السيد عزيز العبدي مفاتيح المدينة. ثم تابع جولته في أحياء وشوارع المدينة التي إحتشدت فيها الجموع وامتلأت بيافطات الترحيب وأقواس النصر معبرة عن الفرح الشامل. الأحد في الرابع عشر من آب، جرى له حفل التنصيب القانوني ضمن قداس إحتفالي في الكاتدرائية ترأسه البطريرك مكسيموس الخامس حكيم، وسلمه صك التولية القانونية. وأعلن أن يوم الخامس عشر من آب، وهو عيد سيدة الإنتقال شفيعة الكاتدرائية والأبرشية، هو يوم الإحتفال الرسمي بالذكرى السنوية لتسلمه الفعلي للمسؤوليات الأسقفية في إدارة الأبرشية وبدأت مرحلة العمل والنضال... طيلةخمسة وعشرون عاماً في قيادة السفينة والّتي تحوّلت خمسة وعشرون عاماً في قيادة السفينة، وسط العواصف والأمواج العاتية. كيف يمكن الإحاطة بها والإطلالة عليها؟ وفي حوار موسّع عن سنين أسقفيّته في زحلة بمناسبة «الايوبيل الذّهبي«، تحدّث المطران أندره حدّاد فعرض بعض مخزون الذاكرة من مواقف وأحداث وآراء حول المواضيع المختلفة في الحديث التّالي: قام بتجديدس: ذهبت إلى دير المخلص صغيراً. فهل كان هذا خيارك؟ ولما أصبحت على طريق الرهبنة، ما كان شعورك يوم وقفت أمام حقيقة الترَسّل وحقيقة الإنخراط في حياة الرهبان؟
ج: أنا مولود في بلدة روم - قضاء جزين في 20 أيلول .1930 توفي والدي ولي من العمر خمس سنوات. وبقيت أنا وأخواي «جرجي وميلاد« تحت كنف رعاية أمنا «فريدة شاهين الحداد«. وكانت هذه الأم تؤمن معيشتنا بتعب يديها. ولذلك، كانت تخدم الكهنة الذين يخدمون البلدة إما بشكل دائم أو يأتون في فصل الصيف من دير المخلص. وكنت أنا أخدم القداس للكثيرين منهم. فوضعوا فيّ وفي فكر والدتي بذور الدعوة إلى الترهب في دير المخلص. وكانت أمي تعترض، وتقول «أنني إبنها البكر فكيف تتخلى عني«؟ ومع ذلك، تقرر ذهابي إلى الدير سنة 1941 لدخول الإكليريكية. فذهبت مع الوالدة مشياً على الأقدام من بلدتنا إلى دير المخلص، وكان رئيس الدير آنذاك المرحوم الأب بطرس حداد، الذي أجاب بصعوبة قبولي بسبب إمتلاء المراكز المخصصة للدعوات. وإذ بوالدٍ آتٍ من بلدة عين إبل ليزور إبنه الإكليريكي الجديد. فأخذ هذا الطالب يتشكى لأبيه من النظام وسوء الطعام وصعوبة الحياة في الدير، وقرر والده سحبه من الإكليريكية. عندئذٍ، دعاني الرئيس وقال: «حظك كبير، لقد قبلناك في الإكليريكية«. وكان لا بد من دفع رسم معين، فإضطرت والدتي إلى بيع أسوارة ذهبية من مخبآتها ودفعت الرسم المطلوب. وعشت في الإكليريكية كل مراحل التعليم: التكميلي والثانوي، ونلت شهادة البكالوريا بجزئيها الأول والثاني مع زميلي المطران جورج كويتر بمجهودنا الشخصي، وكنا بذلك أول من في الرهبنة المخلصية تقدم ونال شهادة رسمية من الدولة اللبنانية. وقدمت على التوالي إلى النذور الرهبانية الأولى ثم الإحتفالية، ورسمت كاهناً في 13 حزيران .1954 وطيلة حياتي كنت منسجماً جداً مع كل برامج ونشاطات الحياة الرهبانية المخلصية، ولم يخطر ببالي يوماً أن أترك هذه الدعوة أو أنه يمكن أن أعيش في إطار خارج هذه الحياة. وطيلة حياتي، خاصةً في «الإكليريكية الكبرى«، كنت أقوم بنشاطات رسولية متعددة مع إخوتي ورفاقي في الرهبنة. وهكذا نشأت وزادت فيّ محبة العمل الرسولي. وكنت خلال وظائفي الإدارية التي تسلمتها بعد الكهنوت، دائماً أحاول أن أتصرف بروح الرسول الذي يجعل من عمله الإداري مجالاً مفتوحاً للشهادة المسيحية.
س: بين رسامتك الكهنوتية ومغادرتك دير المخلص، قمت بمبادرات ونشاطات. هل يمكن الإضاءة عليها؟ نعم: لقد قضيت في خدمة الرهبنة ضمن دير المخلص ودراسته من سنة 1954 تاريخ رسامتي الكهنوتية حتى سنة 1976، حيث كنت «رئيساً للمدرسة المخلصية«، وإضطررت إلى مغادرة الدير بأمر من الرئيس العام الأرشمندريت ميشال حكيم بسبب الظروف الأمنية التي شكلت خطراً على حياتي. وكان ذلك نتيجة إلتزامي قضايا الوطن وبث روح الشجاعة في صفوف الشباب. في تلك الفترة، كنت سعيداً جداً في حياتي بالدير، حيث أقمت علاقات ممتازة مع القرى المجاورة من جميع الطوائف والفئات. وبنيت بمساعدة مصلحة ''الإنعاش الإجتماعي'' التابعة لوزارة الشؤون الإجتماعية، ''بيت الشباب'' الذي أصبح مركز لقاء فكري وروحي ووطني لكل أبناء الشوف والجنوب، ومركز مخيمات لحركات الشبيبة على أنواعها. وقمت كذلك بموافقة الهيئة الرهبانية بتمليك أبناء قرية «المحتقرة« المجاورة لدير المخلص بيوتهم على قطعة أرض بمساحة خمسماية متر مربع لكل عائلة. كل هذه الأمور جعلت دير المخلص مرجعاً طبيعياً لكل الناس، يقصدونه لحل مشاكلهم ودرس مشاريعهم العامة، وقاموا بمبادرة طلب ترشيحي للنيابة عن المقعد الكاثوليكي في منطقة جزين.
س: لماذا أتيت إلى زحلة، ولم تذهب إلى أي مكان آخر؟ وما هي الظروف التي فرضت مجيئك إلى زحلة؟ وكيف بدأت العمل فيها؟ ج: مع إشتداد الأزمة الداخلية في لبنان وإندلاع المواجهات العسكرية وإجتياح بلدة «الدامور« وإنقسام الجيش اللبناني، أمرني الرئيس العام كما أشرت سابقاً بمغادرة الدير في تموز .1976 فتوجهت إلى عمان في الأردن حيث قضيت شهرين في كنف المطران المرحوم سابا يواكيم. وهناك أتيح لي المجال: أن أقوم بعدة خدمات روحية وأهمها رياضة روحية لكهنة الأبرشية، وأن أستقبل المهجرين إلى الأردن من منطقة دير المخلص والذين كانت تربطهم بي علاقات وثيقة أو يعملون معي في نشاطات الشباب. وبعدها عدت إلى زحلة، بعد أن عرجت على دمشق وصادفت وفداً زحلاوياً يقوم بمهمة خاصة لدى السلطات السورية. ورجعت مع البعض منهم إلى زحلة، وقد نزلت في دير مار الياس للمخلصيين تحت كنف الأب المرحوم أثناسيوس نصورة. وكانت أولى أعمالي تلبية رغبة رئيس الكلية الشرقية يومذاك المطران إبراهيم نعمة والرئيس العام للرهبنة الشويرية الأرشمندريت سمعان عبد الأحد بأن أكون مديراً للفروع الثانوية والنهائية، وكنت سعيداً بالعمل مع الطلاب الذين أحبهم. وفي نهاية السنة المدرسية 1977، إنتقلت بأمرٍ من الرئيس العام للرهبنة المخلصية إلى العمل في رعية مار يوسف حوش الأمراء كمساعد لكاهنها.
س: هل كنت تعلم أنك مرشح للأسقفية؟ وكيف تم انتخابك لهذه المسؤولية؟ ج: كلا، لم أكن أعلم بذلك. غير أن نشاطاتي وإندفاعي في الخدمة العامة كونا لي رصيداً كبيراً لدى المحبين الكثر. ففي «حوش الأمراء «عملت مع الأب حنا سليمان في تأسيس دار الصداقة سنة .1979 كما كنت أعمل كمرسل متجول في كل رعايا الأبرشية الزحلية: أعظ الرياضات الروحية، أحتفل بقداديس خاصة للمناسبات أو في المدارس، وأنظم المسيرات الشعبية وبخاصة إلى تمثال العذراء، وأعطي دروس التعليم المسيحي في المدارس الرسمية والخاصة. حتى صرت معروفاً في كل مؤسسات زحلة وصديقاً لكثيرٍ من أبنائها. وفي هذه الفترة، كنت سعيداً جداً. وعندما إستلمت إدارة دار الصداقة خلفاً للأب حنا سليمان، وهي المؤسسة المخلصية الإجتماعية، عملت باندفاع لدفعها إلى الإكتمال. فنشطت «حركة صديقات الدار«، وأصدرت نشرة خاصة، وتوفقت في شراء قطعة أرض في موقعها الحالي (ضهور كسارة) من أموال الرهبانية المخلصية. كما كلفني راعي الأبرشية يومها المرحوم المطران أغسطينوس فرح إدارة مجلة ''الرسول'' التي كانت تصدر دورياً عن المطرانية. وعندما توفي المطران فرح، بعد ست سنوات من أسقفيته، بتاريخ 31 آذار 1983، بدأ الحديث في زحلة عن إختيار خلف له. أما أنا، فلم يخطر ببالي أنني سأكون خليفته، لأنني أعتبر طريقة حياتي وعملي وتفكيري غير مرغوبة من الإكليروس. ولكن، حدث ما لم يكن بالحسبان. ففي ليلة ذكرى رسامتي الكهنوتية 13 حزيران، كنت أحتفل بقداس في كنيسة الرعية في حوش الأمراء، وطلبت من الشعب أن يصلّي لكي يوفق السينودوس المقدس الملتئم في الربوة ليختار الخلف المناسب. وبعد القداس، أتاني إتصال هاتفي من المطران المرحوم نقولا الحاج أن أحضر في الغد إلى الربوة مكان إلتئام السينودوس. ولم أفهم الهدف الذي قاله لي من هذه الدعوة. وفي اليوم التالي، ذهبت إلى الربوة ومعي رفيق العمل في دار الصداقة الأب سليمان جرجورة الذي تركته يقود سيارتي «البيجو 504« ولدى وصولي إلى الربوة، بدأ المستخدمون يهنئونني بأنني انتخبت «مطراناً« على زحلة. وكان أول من إستقبلني على الباب الأب بطرس حداد الذي قبلني في الإكليريكية سنة .1941 ودخلت إلى قاعة السينودوس المقدس، فسألني غبطة البطريرك مكسيموس الخامس حكيم: «هل أقبل أن أكون مطراناً على زحلة«؟ فأجبت «بالقبول«، متكلاً على نعمة الله الذي إختارني بواسطة السينودوس المقدس. وهكذا بدأت مرحلة جديدة من حياتي. وقد عم الفرح جميع أبناء زحلة وخاصة حوش الأمراء، وتهافت علي رجال الصحافة والإعلام، حيث أقمت تلك الليلة مع إخوتي أبناء الرهبانية المخلصية. وعدت في اليوم التالي إلى حوش الأمراء، وحظيت بإستقبال شعبي كبير. وطيلة ثلاثة أيام، إستمر تدفق الأصدقاء المهنئين، وتمنياتهم لي بالنجاح. وكان هذا حافزاً قوياً لي لأنطلق في تحقيق رسالتي الجديدة، متخطياً المصاعب الكبيرة الناتجة عن الأوضاع الأمنية التي كانت تعيشها المنطقة نتيجة الحرب الداخلية وإنقسام الشعب اللبناني وخطر الإجتياح الإسرائيلي المخيم على الأجواء.
أسقف زحلة.. حامي المدينة س: حملت مسؤوليات الأسقفية في زحلة في ظروف أمنية وإجتماعية غاية في الخطورة. كيف تصرفت خلال الأحداث المتعاقبة والمتنوعة مع الأحزاب والتنظيمات السياسية المتناقضة؟ وماذا حققت لأبنائك في الأبرشية؟ ج: لم تكن مراحل أسقفيتي «شهور عسل«، بل كانت منذ اليوم الأول مراحل نضال على كل الأصعدة ووعي لدقائق الأمور القائمة والطارئة وتكيّفاً يومياً مع كل ظرف وواقعة. وكان رائدي الدائم خلالها مبادئ ثابتة دينية ووطنية وإجتماعية، معلنة بكل وضوح ولجميع الفئات. كما كان الصدق والمصارحة الكاملة قاعدة علاقاتي التي تميزت بها، وكسبت لي إحترام الجميع. فأنا أعلن فكري ورأيي وموقفي دون حذر أو مسايرة، وربما كان هذا يعتبر إحدى سيئاتي في المعاملة. فالتقاليد تعلّم ألا يصرح الإنسان بكل ما في قلبه وفكره. أعلنت أن المطران في تاريخ الشرق هو «حامي المدينة«، ولنا في صلواتنا الكنسية وسير الآباء القديسين دلائل ناطقة على هذا الدور. ولم أعتبر هذا الدور بالرغم من إتهامات رجال السياسة أنه تدخل في السياسة، بل هو سياسة الإنقاذ أو الإطفائي أو القائد المدافع عن المظلوم والمتألم والمهمش. ويشهد تاريخ الخمسة وعشرين سنة من أسقفيتي، والتي نعَيّد لها هذا العام بما يعرف «باليوبيل الفضي«، كم أنقذت من أفراد مخطوفين أو موقوفين، وكم دافعت عن مظلومين سواء لدى سلطات الوصاية السورية أو قوى السلطة اللبنانية، وكم أخذت مواقف جريئة في أيام الحروب المتقطعة والأخطار التي كانت تهدد المدينة بالفتنة والخراب. وكانت المطرانية، وبابها مفتوح دائماً، مرجعية لكل صاحب ظلامة أو صاحب حاجة أو طالب مشورة في ظرف دقيق. كما كانت مركزاً لكل الإجتماعات ذات الطابع المصيري لحياة المدينة وأبنائها. لقد أحبني الشعب البريء المسالم الذي يقدر واقع الأمور دون خلفيات، وإعتبروني «الأب المحب والأخ الأكبر«، وأحاطني الكبار والصغار وخاصةً الأطفال والشباب بعاطفة صادقة هي سبب تعزيتي وفخري. وتعرضت لإنتقاد الكثير من الرجال أصحاب المصالح السياسة والإنتخابية وتندروا علي في مجالسهم، وهذا أمر طبيعي لكل من يلعب دوراً بارزاً في مدينة لها ميزات «الضيعة«. وكنت أتقبل كل الأمور، حلوها ومرها، بإيمان وصبر، متذكراً أن معلمي يسوع وهو ابن الله المتجسد، لم يستطع أن يكسب رضى جميع شعبه، بل كوفئ بالموت على الصليب... ولا بد أن أذكر أنني نلت إحترام جميع رجال الدين غير المسيحيين، وأقمت معهم أحسن العلاقات، وحدثتهم وحدثوني بصراحة وشفافية مكنتنا من أن نعالج مشاكل كثيرة وأن نجتمع ونتبادل الرأي في الملمات، وهدفنا أن ننشر السلام والوئام في بقاعنا الجميل.
تفجير المطرانيّة.. وإعادة بنائها صرحاً حديثاً س: تفجير المطرانية وإعادة بنائها، الحدث الأبرز والتحدي الأكبر خلال أسقفيتك. كيف تقرأه اليوم؟ ج: في الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة والعشرين من ليل 15 أيلول 1987، إمتدت يد آثمة وفجرت هذا الصرح العابق بالتاريخ والإيمان. يومها ظهرت يد أخرى هي يد الأم السيدة العذراء سيدة النجاة، عطلت مفعول المتفجرة، فهدم الحجر وبقي الإنسان. لقد إهتزت زحلة والبقاع ولبنان لهول الكارثة، وهرع الأبناء إلى بيتهم الراعوي يتحدون الخطر والموت. وعندما رأوا المشهد، أعلنوا «الأعجوبة«. في تلك الليلة، إرتبط حاضر زحلة بتاريخها الحافل بالإيمان والعجائب، وأضيفت إلى ملف إيمانها أعجوبة جديدة كبيرة وظاهرة للعيان، وإلى ملف أعيادها عيد جديد هو الخامس عشر من أيلول يوم «أعجوبة النجاة«. لقد أعلن الشعب، وأعلنا نحن بما لنا من سلطة روحية في الكنيسة، إيماننا بالأعجوبة الخارقة وبالتدخل الإلهي المباشر لإنقاذ الراعي والقيادات المجتمعة معه وهم: إيلي حبيقة وإيلي الفرزلي وخليل الهراوي، والكهنة والأبناء المتواجدين في المطرانية وكل المدينة من موت محتم بسبب تلك المتفجرة التي هدمت المطرانية. لن نتوقف عند التساؤلات من خطط للجريمة ومن نفذها (وبعضها أصبح معروفاً)، لكننا نترك لله العادل أن يجازي كل فاعل حسب فعلته. ونحن قد غفرنا وطلبنا الرحمة للجميع. ولكن ما يجب أن نقوله، أنه لو تم اغتيال الأربعة المجتمعين في مكتبي تلك الليلة وخاصة «السيد إيلي حبيقة«، لكانت حصلت في زحلة «مجزرة رهيبة« كانت نتيجتها الحتمية هجرة أعداد كبيرة من المسيحيين إلى غير منطقة، مما كان دمر خط العيش المشترك وسهل تحقيق الفرز السكاني. لقد اعترف الجميع بأن تفجير المطرانية والمجتمعين فيها كان ردة فعل على المواقف المعتدلة الداعية إلى العيش المشترك والرافضة للتقسيم بكل أشكاله. ورغم كل ما حدث، لم أيأس. وقررت مع كل المخلصين والأصدقاء مواجهة التحدي لإعادة بناء المطرانية. ومن على سريري في المستشفى، أعلنت أنني سأمشي حافي القدمين وأجوب العالم لأبني «لسيدة النجاة« أجمل مطرانية في الشرق. وانطلقت ورشة العمل سريعة وقوية، بعد أن وضعت لجان المهندسين الخرائط المدروسة. وبعدما تعافيت، بدأت عملية جمع الأموال اللازمة من أبناء الأبرشية والأصدقاء في بلاد الإغتراب. وقد سافرت لهذه الغاية ثلاث مرات إلى أميركا وأوروبا. وفي الخامس عشر من آب 1990، تم تدشين المطرانية المجددة بحضور البطريرك مكسيموس الخامس حكيم وفخامة رئيس الجمهورية الياس الهراوي (إبن زحلة) وحشد من الأساقفة والكهنة والنواب والوزراء. وأذكر جيداً قول البطريرك حكيم: ''هنيئاً لكم أجمل مطرانية في كنيستنا''.
العلاقة مع السورييّن س: لماذا قررت الإنفتاح على السوريين؟ وما حقيقة إجتماعك بالسفير البابوي؟ ج: إن علاقاتي مع المسؤولين الأمنيين السوريين خلال أسقفيتي لم تكن جديدة، بل نشأت منذ رئاستي لدير المخلص ولمدرسته حينما دخلت «القوات الخاصة« إلى لبنان عام 1976 بشكل مفاجئ وسريع، لتأمين إنتخابات رئاسة الجمهورية (الرئيس الياس سركيس) قبل أن يدخل الجيش السوري «كقوات ردع عربية« عن طريق مشغرة - جزين - روم بلدتي - فصيدا إلى بيروت. وقد أمنت يومها لهذه الوحدات «الخيم« التي كانت لفرقة كشافة الدير والطعام لعدة أيام، حتى تمركزوا في الأماكن قرب صيدا ودير المخلص. وبالطبع، نشأت بيني وبينهم علاقات خاصة، وخلقوا في نفوسنا جواً من الإطمئنان. وعندما إنتخبت أسقفاً لزحلة سنة 1983، كان البقاع تحت سيطرة الجيش السوري، إلا مدينة زحلة التي كانت خارجة عن تلك السيطرة المباشرة ولكنها تتعرض إلى مضايقات كثيرة ولا يستطيع أبناؤها التحرك خارجها. وكان من واجبي البروتوكولي أن أزور بعد الرسامة رئيس الجمهورية (أمين الجميل) وبعض القيادات المسيحية إكليريكيين وعلمانيين، وكلهم نصحوني بإقامة علاقات جيدة مع القوات السورية والأحزاب الحليفة لها. وكانت النصيحة الكبرى من السفير البابوي أنجيلوني الذي قال لي: ''إذا أردت أن تخلص شعبك، فأقم أحسن العلاقات مع القوات السورية، لأن أميركا قد تخلت عنكم لسوريا...''. وعملت بهذه النصيحة، ونجحت في تجنيب زحلة القصف والدمار وفي تخليص الأبناء والأصدقاء الذين كانوا يخطفون على الطرقات... س: كنت على علاقة جيدة مع اللواء السّوري غازي كنعان، وكذلك مع المسؤولين الأمنيين اللبنانيين والسوريين. كيف بنيت هذه العلاقة؟ ماذا طلب منك؟ وماذا كنت تطلب منه؟ ج: بعد قراءة الأوضاع بشكل دقيق، بناءً على النصائح التي وجهت إليّ، قررت إقامة علاقات وثيقة مع القيادات السياسية والأمنية الفاعلة، بهدف تهدئة النفوس وإنقاذ المخطوفين، ووقف التهديدات المختلفة التي كان يتعرض لها أبناء الأبرشية. في هذا المناخ، كانت علاقتي المميزة مع العقيد غازي كنعان (أبو يعرب) الذي خلف في قيادة المخابرات السورية العميد محمد غانم بالتاريخ نفسه الذي إستلمت فيه مسؤوليات الأسقفية في آب .1983 وكان إجتماعي الأول به في 21 أيلول من السنة نفسها في مقام سيدة زحلة والبقاع التي كان يقيم فيها فريق من القوات السورية. الإجتماع جرى في قلب الكنيسة (الكابلا)، لأننا لم نجد غرفة للإجتماع. وكان يرافقني الأب عصام درويش (مطران أوستراليا حالياً)، وحضر أيضاً الشيخ يوسف التنوري وزوجته الشيخة مريم (رحمها الله). وفي ختام حديث امتد ساعة كاملة إستعرضنا فيها الأوضاع الأمنية والحزبية، أقسم لي بشرفه العسكري قائلاً: ''إنني أحببتك، وإنني سأخَلّص زحلة لأجلك، ولن أسمح لأحد أن يدخلها إلا على جثتي. لكن، أطلب منك إخراج (القوات) و(الكتائب) من المدينة، لأنهم طعم للذين يريدون الإنتقام لمعاركهم الخاسرة في بيروت. نحن نحمي زحلة لا أحد غيرنا. ولتكن زحلة هي عاصمة البقاع ومدينة مفتوحة للجميع، ولن نسمح لأحد أن يرمي عليها بزهرة...''. بعدها، «مرت علاقاتنا بين صعود وهبوط، بين رضى ومقاطعة«، وضغط على الزحليين حال مرورهم على حواجز السوريين أو حلفائهم، وقصف مفاجئ على شوارع المدينة وأبنيتها وخاصة على مراكز الأحزاب، حتى تمكنت وعبر إجتماعات متواصلة مع كل هيئات المدينة من إقناع الجميع بعد موافقة رئاسة الجمهورية وقيادة ''القوات اللبنانية'' في بيروت بضرورة القبول «بالحل السلمي« لتجنيب المدينة «الحل العسكري« أي دخول القوات السورية إليها بالقوة والحرب، والرضوخ لطلب السوريين: إخراج الميليشيات الحزبيّة المسلحة من المدينة وجعلها حقاً «عاصمة مفتوحة للجميع« وإدخال مفرزة أمن سوري إلى جنب الأمن اللبناني... وهذا ما عرف ''بالحل الزحلي'' الذي وضع حداً لقصف المدينة ومضايقة أبنائها على الطرقات وجعلها تنعم بفترة هدوء وإزدهار إقتصادي بارز... وكلّ ذلك بالتّعاون مع أساقفة المدينة وإيلي الفرزلي وخليل الهراوي وعدد من القيادات الحزبيّة في زحلة بدعم من المرجعيّات والقيادات المسيحيّة في بيروت. وأثبت هذا الحل، بما حمل من سلام ووئام وانفتاح وعلاقات إيجابية، الدور الرائد الذي كتب على هذه المطرانية أن تقوم به طوال تاريخها متحملة بسببه شتى أنواع الآلام والمضايقات. وقد أضفنا عبره حلقة جديدة إلى منجزات أسلافنا من الأساقفة العظام الذين تعاقبوا على قيادة هذه الدار والتي حرصنا على إستجلائها من أعماق التاريخ. كما أثمرت هذه العلاقات وخلقت جو أمان واطمئنان في العيش والعمل لدى جميع المسيحيين في كل مناطق البقاع. فسهلت لهم القيام بإحتفالاتهم الدينية في الكنائس والمزارات والتنقل الحر على الطرقات وإستثمار أراضيهم وجني أرزاقهم دون مضايقة من أحد.
س: هل أنت نادم على العلاقة التي أقمتها مع السوريين؟ ج: لقد كانت علاقتي مع السوريين، ضباطاً وأفراداً، علاقة إحترام متبادل ومصارحة تبلغ أحياناً حد الوقاحة. ومراراً ما كنت أوجه إليهم إنتقادات لاذعة بسبب أخطاء يرتكبونها نظراً إلى تربيتهم العسكرية القاسية. وكانوا يقبلون مني ذلك بمحبة، ويزيد إحترامي عندهم. لم أطلب من أحد منهم أي خدمة شخصية أو ذات نفع خاص، بل كنت دائماً أحامي عن المظلومين وشباب الأحزاب المخطوفين على الطرقات، وأؤكد لهم أني صديق لسوريا ولكني لبناني متعصب لوطني، وأعلن لهم أن صداقتي لا تعني أنني أرضى ببقائهم في لبنان، وعندما يحين موعد عودتهم إلى دمشق سوف أذهب وأزورهم كأصدقاء ساعدوا لبنان على وقف الحرب والدمار. لذلك، لست نادماً مطلقاً على علاقتي مع السوريين، خاصة مع اللواء المرحوم غازي كنعان الذي كان لنا ولجميع من عرفوه بمثابة أخ وصديق محبّ ومخلص... وأنا مقتنع أن علاقة لبنان بسوريا، في أيام السلم كما في أيام الحرب، يجب أن تكون علاقة جيدة مبنية على تعاون وثيق في مجالات كثيرة وعلى إحترام متبادل لخصوصيات كل بلد وسكانه. فموقع البلدين متجاورين، ووجود حدود طويلة بينهما، وعلاقات القربى والزيجة بين شعبيهما، تفرض السعي لإقامة أحسن العلاقات.
علاقة المطران.. بالأحزاب الزّحليّة س: كيف كانت علاقتك مع «القوات اللبنانية« والأحزاب الأخرى في المدينة؟ وكيف كانت علاقتك مع إيلي حبيقة وجماعته بعد لجوئهم إلى زحلة؟ ج: منذ دخولي إلى الأبرشية، أقمت علاقات جيدة مع كل القوى الفاعلة على الأرض ومع كل الأحزاب العاملة في زحلة والبقاع، وذلك بغية تأمين أجواء السلام والأمن لجميع الأبناء المواطنين. وقد بنيت هذه العلاقات على احترام خصوصيات كل حزب في عقيدته وإعلاني تمسكي بمبادئي المسيحية والكهنوتية والوطنية الداعية إلى المحبة والتعاون لخدمة الإنسان وإحترام النظام العام الذي هو ضمانة للجميع. وكنت دائماً أعطي إرشادات وتوجيهات ومواقف في هذا الصدد. ولكن بعض القوى والأحزاب، خاصة قوات إيلي حبيقة (رحمه الله)، حاولت أن تفرض سيطرتها سواء على بعض مواقع الدولة أو على مصالح المواطنين: كإحتلال بعض البيوت أو فرض رسوم معينة. وكان الناس يلجأون إلى المطرانية ويطلبون تدخلنا لمساعدتهم، وكنا نتدخل ونرفع الصوت. وهذا ما سبب لنا، بالرغم من صداقتنا وعلاقاتنا الطيبة العادية، بعض خلافات وصدامات... وأذكر أنه لدى رسامتي الأسقفية، جاءني وفد بقيادة المرحوم جوزف الياس (قائد القوات في زحلة آنذاك) للتهنئة، فرحبت بهم وقلت لهم: «ستقولون أن الأب أندره تغير عندما صار مطراناً. أنا معكم، ولكن قبلكم أنا مع المدينة والأبرشية«. والبطريرك، عندما سلمني العصا في ختام حفل الرسامة، قال لي: «ستكون عصا رعاية لمن أطاع وعصا تهذيب لمن تمرد... فإعتبروا«...
العلاقة مع المسلمين البقاعيّين س: أظهرت انفتاحاً على الطوائف الإسلامية. هل تعتقد أن الوحدة الوطنية في خطر؟ ج: أنا إبن بلدة جنوبية يعيش فيها مسيحيون ومسلمون حياة مشاركة وأخوة. كما أنني إبن دير هو «دير المخلص« في منطقة متعددة الأديان والطوائف، في الشوف، وهو ذو تاريخ ناصع في العيش المشترك مع الجميع، بل هو مرجع لكل أبناء الأديان والطوائف في المنطقة المحيطة به. لذلك، لم أجد في أسقفيتي في زحلة أي حرج في العلاقة الحرة الأخوية الصريحة مع جميع المواطنين والمسؤولين في الأديان غير المسيحية والطوائف المتواجدة في محافظة البقاع، بل كانت لي صداقات وطيدة مع الكثيرين منهم. ولكن هذا لم يعطني الإطمئنان بأننا في لبنان شعب موحد ذو أهداف واحدة ولنا ولاء واحد للوطن الواحد. وهذا الواقع هو في أساس كل الخضات الأمنية والإقتصادية التي عاشها لبنان منذ الإستقلال إلى اليوم. وطالما يبقى الولاء للطائفة لا للوطن، فلن ننعم بالسلام إلا مؤقتاً... نعم «الوحدة الوطنية« دائماً في خطر... تمر ظروف يلتفّ فيها اللبنانيون بعضهم حول بعض كأخوة متحابين، وتأتي ظروف أخرى يتباغضون فيها ويتقاتلون كذئاب كاسرة... لقد عبّرت في الكثير من المناسبات عن إيماني العميق بتجربة التعايش اللبنانية بين المسيحيين والمسلمين عبر التاريخ، بالرغم من كل ما أصيبت به طيلة العقود الماضية. فتعاليم إنجيلنا وكنيستنا تدفعنا إلى فهم لبنان كنموذج لتلاقي الأديان والحضارات، وصيغة حضارية فريدة يجب المحافظة عليها. وهذا ما عملنا ونعمل لتحقيقه مع كل أخواننا البقاعيين دون إستثناء.
العلاقة مع أساقفة زحلة.. س: العلاقة مع أساقفة مدينة زحلة شكلت تجربة فريدة ورائدة ليس في لبنان وحسب بل في كل الشرق المسيحي. على ماذا قامت؟ كيف بنيت؟ وماذا أثمرت؟ ج: من الضروري الإشارة جواباً على هذا السؤال إلى أن «وحدة الكنائس« حلم يسعى إليه جميع المسيحيين المخلصين. فالكنيسة كانت واحدة منذ تأسيسها، ولكن عوامل بشرية متعددة ساهمت في تقسيمها إلى كنائس إختلفت في شرح العقيدة المسيحية، فألفت جماعات مستقلة ومتنافرة. ولكن الأسوأ من ذلك أن أبناء الكنيسة الواحدة يختلفون بعضهم مع بعض بسبب انتماءاتهم الطائفية، والطائفة هي رمز لغنى الكنيسة في التنوع وليس للخلاف. وزحلة الرائدة في حياة الوحدة تميزت بتوحيد كلمة رؤسائها الروحيين للكنائس والطوائف عبر مجلس يضم أساقفتها الأربعة وينضم إليها أحياناً أساقفة بعلبك ودير الأحمر. يجتمعون بمحبة دورياً وفي المناسبات الهامة خاصة المصيرية ويعالجون الأمور بواقعية ويخرجون بقرارات تكون التوجيه الصالح للمؤمنين. هذه التجربة الرائدة وربما الفريدة في لبنان أو في الشرق أثمرت وحدة قوية بين أبناء المدينة الذي يفرحون لدى رؤيتهم أساقفتهم مجتمعين معاً في صلاة أو عيد أو مآتم، ويمارسون الإحتفالات الدينية بمشاركة مؤمنين من كل الكنائس والطوائف، كما يجد أبناء المدينة في مجلس أساقفتهم ملجأ في الملمات وعنصر إطمئنان في الأخطار.
حكاية «مطران العرب« س: أطلق عليك سنة 1984 إسم ''مطران العرب''. كيف تم ذلك، أين ولماذا؟ ج: رغبة منه في تقريب أبناء البقاع بعضهم إلى بعض، بعد أن أقامت الأحداث الأليمة الدامية التي هزت زحلة والبقاع منذ سنة 1975 حواجز بينهم، أولهم النائب والوزير جوزف سكاف في مطعم الأوبرج - شتورا ظهر السبت 11 آب 1984 إلى مجموعة كبيرة من أبناء زحلة والبقاع، حوالى أربعماية شخص، من كل الطوائف والأحزاب، كبادرة تكريم للقوات السورية التي تمثلت باللواء سعيد بيرقدار والعقيد غازي كنعان وكنت جالساً إلى جانبه. ألقيت خطابات، كان من بينها خطاب «للشيخ عبد الرؤوف القادري مفتي البقاع«، أشاد فيه بالحركة الناصرية وعبد الناصر وبالعروبة وموقفها المعادي لإسرائيل، غامزاً من قناة المسيحيين وكانوا كثيرين بين الحضور، ملمحاً إلى عدم إيمانهم بالعروبة وسكوتهم على إعتداءات إسرائيل، وقد ترك هذا الكلام استياء لدى أكثر الأطراف من الحاضرين خاصة السوريين. طلب إليّ العقيد غازي كنعان أن أرد بإسمهم وبإسم الجمع على هذا الخطاب. وإرتكز ردي على الشكر للزعيم جوزف سكاف القادر أن يجمع مثل هذا العدد من كل الأطياف، في ظل الأزمة القائمة، وكذلك للعقيد غازي كنعان الذي أصر على «السيد فؤاد أبو منصور« صاحب «الأوبرج« أن يعيد فتح أبوابه كي يخرج أبناء زحلة وهي عاصمة البقاع من عزلتهم في المدينة. ونوهت بطيبة البقاعيين الذين يجمعهم حب الأرض وإستثمارها على تعاون ومحبة. ورددت على التهم المبطنة للمسيحيين التي وردت في كلمة القادري، وقلت بأن المسيحيين هم المستهدفون الأكبر وبشراسة من قبل الإسرائيليين الذين لا تعتبرهم أصدقاء بل أعداء للمسيحيين وللبنان، وبأن المسيحيون هم العرب الأصيلون وسكان البلاد منذ ستماية سنة قبل ظهور الإسلام. وإن الجزيرة العربية وما حولها كانت موطنهم، مارسوا فيه عباداتهم وكتبوا الأدب والشعر العربي، وهم رواد النهضة العربية الحديثة ومؤسسو فكرة القومية العربية ضد «التتريك«. وإن «الرهبان« هم الذين حفظوا التراث العربي في أديارهم. ولكن، إذا كانت العروبة تعني الإسلام، فبالتأكيد المسيحيون يرفضون أن يكونوا عرباً تحت هذا العنوان. وقد نال هذا الخطاب إستحساناً كبيراً وتصفيقاً حاداً لدى الجميع، خاصةً لدى ضباط القوات السورية المنتمية إلى «نظام علماني«. ومنذ تلك الحادثة أطلق عليّ إسم ''مطران العرب''. وسببت لي هذه التسمية ردود فعل سلبية وخصوصاً عند الأحزاب المعادية للعرب وللعروبة. ولكن هذا الموقف فرض إحترام «مطران زحلة« على كل من يدّعي العروبة والعداء لإسرائيل، كما فرض إحترام الوجود المسيحي في المنطقة لدى جميع الفرقاء.
يد الأسقف.. في بناء الأبرشيّة س: حاربت التعصب والجهل والإنغلاق والإستغلال والظلم، وسعيت إلى بناء عدالة إجتماعية حقيقية. أين نجحت؟ وأين فشلت؟ ج: ترجمةً لهذه المبادئ والقناعات، أوليت إهتماماً خاصاً لمستشفى تل شيحا، وهي المؤسسة الإنسانية صاحبة الخدمات العريقة ووليدة محبة الرعايا والجمعيات الخيرية، حيث تم تجديد جميع أجنحته وتزويدها بالمعدات والتجهيزات الحديثة وتقديم مساعدات يومية للمرضى الفقراء. ولم ننس الحقل التربوي والتعليمي، حيث قمنا ببناء مدرسة جديدة قرب تمثال سيدة زحلة والبقاع بإسم «القديسة ريتا«، وحولنا «المؤسسة المهنية الخيرية« في كسارة إلى مدرسة ثانوية ذات برنامج إنكليزي حملت إسم «المدرسة الوطنية الأميركية« الS.E.N.. أما الجمعية الخيرية الكاثوليكية التي انطلقت من هذه المطرانية سنة 1885 بمبادرة من راعيها وكهنتها لكي تقدم المساعدة للفقراء والمحتاجين، فإنها تتابع رسالتها بزخم وحيوية وتقوم ببلسمة جراح فئات واسعة عبر المساعدات الصحية والتموينية والمدرسية المختلفة. وكانت قمة عملنا التنموي والإجتماعي بناء «مساكن لذوي الدخل المحدود«، إستفاد منها عدد كبير من الأبناء.
تفجير المطرانية وإعادة بنائها في ليل الخامس عشر من أيلول 1987، بينما كان المطران أندره حدّاد مجتمعاً في مكتبه مع مجموعة من الأصدقاء العاملين في خدمة الأمن والإستقرار في المدينة السادة: إيلي الفرزلي وخليل هراوي وإيلي حبيقة«، دوى في المطرانية إنفجار رهيب هزّ المدينة كلها وهدم الجزء الأكبر من الدار الأسقفية، وأحدث أضراراً بالغة في الغرف والقاعات وأتلف كثيراً من التحف الكنسية والوثائق التاريخية. وتطاير القرميد وغطى التراب المجتمعين، وكاد يودي لولا العناية الإلهية خاصة برعاية راعي الأبرشية والمجتمعين معه. وقد أصيبوا جميعهم بجراح بالغة نقلوا على أثرها إلى مستشفى تل شيحا للمعالجة السريعة. وفي لحظة من التاريخ، أصبح راعي الأبرشية وكهنة المطرانية بدون مأوى. فإنتقلوا إلى مستشفى تل شيحا حيث أقاموا في جناح كانت تسكنه راهبات القلبين الأقدسين قبل تركهم العمل في المستشفى، وتابعوا منه إدارة المطرانية والأبرشية. وكانت ردة الفعل السريعة إنتفاضة جميع المواطنين والهيئات الرسمية والخاصة، فبادروا إلى أعمال الإنقاذ والترميم والمناداة بإعادة البناء لكي يظل الصرح مستمراً في تأدية رسالته التاريخية. وتقاطرت الوفود من أحياء زحلة وكافة القرى ودساكر البقاع، تعلن إيمانها الكبير بهذا الرمز وعزمها الأكيد على المساهمة في إعادة تشييده بأسرع وقت. رإعادة البناء وبعد أسبوع واحد من الكارثة، وراعي الأبرشية المطران حدّاد في سرير آلامه في المستشفى، دعا جميع المهندسين في المدينة إلى اجتماع خاص مستمزجاً رأيهم في خطة إعادة البناء. ثم أمر بالمباشرة في رفع الأنقاض إستعداداً لإعادة البناء. وعلى مدى ثلاث سنوات من العمل المتواصل والسهر الدائم والأسفار إلى عالم الإغتراب طلباً للمساعدات، بالإضافة إلى الإجتماعات المتواصلة مع المهندسين للإطلاع على التصاميم، ومع الفاعليات البقاعية ورعايا الأبرشية للدعم والمساندة، عادت مطرانية سيدة النجاة إلى الحياة والعمل مرتدية حلة من الرونق والبهاء، ما دعا البطريرك المغفور له مكسيموس الخامس حكيم إلى الإعلان يوم تدشينها في الخامس عشر من آب 1990: ''إنها أجمل مطرانية في الشرق''. حوفظ في المطرانية الجديدة على البناء بشكله الخارجي التاريخي القديم وتنظيف حجارته، وتحوّل الداخل إلى غرف وقاعات تلبي كل حاجات الكهنة والرعايا. وقسمت غرف «جناح الكهنة« المرتفعة كثيراً إلى طابقين: الأول مكاتب عمل للإدارات والثاني غرف منامة مجهزة بكل ما يلزم لراحة ساكنيها. وهدمت الغرف في الطابق الغربي الأرضي، وتحول إلى طابق واحد، أصبح قاعة رعوية كبيرة كشفت جدرانها وسقفها، فإذا بها من «العقد الجميل« وسميت ''قاعة المطران حداد''. أما الطابق العلوي، فبنيت فيه قاعة لكل الإجتماعات الراعوية وصالون للإستقبالات الرسمية وغرفة كبيرة للمكتبة ومكتب كبير للمطران مع غرفة نوم وغرفة للضيوف ولها صالون صغير. أما الجهة الجنوبية الأرضية، فتحولت كلها إلى غرف لحركات الشبيبة. وإكتملت بتجديد وتوسيع «قاعة نقولا الخوري« لتكون في إستعمال المهنئين والمعزين والوفود إلى جنب «قاعة المطران حداد«، فوقها مكاتب للإدارة ومطبخ ومائدة، غرفة غسيل وقاعة لإجتماعات الجمعيات. والطابق العلوي غرف منامة للكهنة وغرفة سهرة «وكابلا للصلاة«، وأمامه سطح واسع يشرف على أحياء المدينة. وتم تبليط الصالة ببلاط الحجر الصلب بمساحة ألف متر مربع. وكذلك تم تجديد الكابلا التاريخية وكشف حجرها وتكحيله فجاءت رمزاً للجمال والخشوع. وفي 15 آب 1990، تم تدشين البناء المجدد بحضور رئيس الجمهورية الياس هراوي والبطريرك مكسيموس الخامس حكيم ووفود الكهنة والأصدقاء وأبناء الرعايا.
الرسالة تستمر وعاد المطران وكهنته إلى السكن في بيتهم الأساسي، شاكرين الله وسيدة النجاة على سلامتهم. وكانوا سكنوا لثلاث سنوات جناحاً صغيراً في مستشفى تل شيحا. وإستمر العمل والعطاء والخدمة وأعمال التنمية والتجديد في كل قطاعات الأبرشية ومؤسساتها ورعاياها. وبدأ التعب يفعل فعله في صحة راعي الأبرشية الذي يعمل دون إنقطاع من الثامنة صباحاً حتى الثانية بعد منتصف الليل دون كلل، مجابهاً كل المشاكل والقضايا. وبسبب هذا الإرهاق، أجريت له في الخامس من كانون الثاني 1996 عملية القلب المفتوح وإنتهت بنجاح. وإضطر إلى إتباع علاجات متواصلة ليبقى الجسد قادراً على متابعة تحمل المسؤوليات. وبقي في قوة عطائه وسهره متخطياً كل خوف وضعف، مستعيناً بمحبته للسيد المسيح ولأمه سيدة النجاة وقد حمته وأنقذته من أخطر ظرف مر في حياته.
تنظيم وتحديث مشاريع رائدة إهتم المطران أندره حدّاد بتنظيم العمل في الدار الأسقفية، إن كان لجهة الكهنة أو الموظفين أو الزوار وأصحاب الخدمات. وقد تكلل ذلك بإصدار كتاب «النظام الداخلي للأبرشية« عام 2007، محققاً رغبة غبطة البطريرك والسينودوس المقدس.
تنظيم الإدارة العقارية والمالية 1- إجراء جردة عامة مفصّلة لكل أملاك المطرانية وأوقافها من أبنية وأراضٍ زراعية وموجودات، وتجديدها دورياً. وقد تم تقديم نسخة منها باللغة الفرنسية إلى الكرسي الرسولي. 2- إنشاء مكتب محاسبة، حسب الأصول، ينظم القيود ويدقق في الحركة المالية والعلاقات مع المصارف ويقدم تقارير شهرية، مبدياً ما يراه من ملاحظات. 3- تنظيم عقود الإيجار للأبنية والأراضي على ضوء إستشارة «محامي المطرانية« والسهر على التحصيل بملاحقة دائمة. 4- ترميم الأبنية القائمة وزيادة أبنية جديدة، وتحرير البناية الكبيرة في منطقة سن الفيل من مخلفات الحرب اللبنانية الطويلة، وتجديد شققها تدريجياً وتنظيم إيجاراتها التي كانت مسلوبة لفترة طويلة. 5- تغيير وجهة إستثمار عدة قطع من أراضي المطرانية من إستثمار زراعي إلى إستثمار صناعي أو إجتماعي، مما ساهم في زيادة وتثبيت المدخول للدار الأسقفية. 6- شراء عدة عقارات زراعية في مناطق مميزة في زحلة وحولها، مما شكل زيادة في رأس المال الثابت للمطرانية. 7- إطلاق مشروع المساهمة السنوية من رعايا الأبرشية وأوقافها والأفراد المتبرعين في مناسبة ««الخامس عشر من آب«، عيد سيدة النجاة وشفيعة الأبرشية والكاتدرائية وذكرى إستلام سيادة المطران مهامه الأسقفية. وقد توصلت المطرانية إلى إكتفاء ذاتي بالنسبة لوضعها المالي، فأضحى لها أبواب دخل ثابتة تغطي الأعباء والمصاريف المتنوعة. وقد درج المطران حدّاد، إستناداً إلى هذا الواقع، على مساعدة المشاريع التي تنطلق في الأبرشية بمبالغ تشجيعية أو بتسليف القائمين عليها مبالغ دون فائدة أو بتدبير مساعدة من مؤسسات كنسية أو من المطرانية نفسها.
ورشة بناء متواصلة لمشاريع الأبرشيّة
تجديد «بناية السيدة« قرب تمثال العذراء جرى تجديد «بناية السيدة« قرب تمثال العذراء تجديداً كاملاً من الداخل والخارج، لمحو آثار الحرب عنها، وأصبحت مركزاً للرياضات الروحية لطلاب المدارس وغيرهم، وسكناً لكهنة مرسلين. وهي حالياً مسكن لراهبات ''أخوة سيدة الحبل بلا دنس ملكة العالم'' الفرنسيات اللواتي يعملن منذ عام 1999 في خدمة مؤسسات تابعة للمطرانية: تل شيحا ومدرسة القديسة ريتا وفي زيارة المرضى المقعدين في منازلهم والعجزة في مركز دار السعادة والإرشاد الروحي للشابات والشباب، وسوف تتحوّل إلى «بيت سكن« للمطارنة المتقاعدين.
المساكن الشعبية لذوي الدخل المحدود أقدم المطران حدّاد على مبادرة رائدة، إذ سعى لدى وزارة الإسكان بواسطة إبن زحلة الوزير محمود أبو حمدان، وحصل على قروض لمجموعتين من أبناء زحلة من ذوي الدخل المحدود، وألف لجنة خاصة للإشراف على العمل سماها ''لجنة الإسكان''، ووضع بتصرفهم قطع أرض تملكها المطرانية لتقوم عليها الأبنية. وخلال عدة سنوات، قامت بناية أولى في العقار رقم /3369/ في حمار المعلقة ضمت« ستة عشر شقة لستة عشر عائلة«، وبناية ثانية على العقار رقم /143/ في وطى السنديان ضهور زحلة ضمت «ثمانية عشر شقة لثمانية عشر عائلة«.
الأبنية للإيجار أضيف طابقان على العقارين في البولفار /364/ و/342/، وتم تأجير أحدهما لوزارة التربية - المنطقة التربوية. وقامت بناية أخرى للإيجار قرب تل شيحا على العقار رقم /1908/ نزلة حوش الأمراء، ضمت ثماني شقق لثماني عائلات ومحلّين للتجارة. بالإضافة إلى ما سبق ذكره من تجديد بناية سن الفيل وتحسين إيجاراتها.
مدرسية القديسة ريتا وبسبب إضطرار البلدية لأخذ جزء من المدرسية الأسقفية للبنات الملاصقة للمطرانية والتي كانت معروفة بمدرسة ''السيدة''، تم هدمها بالكامل وإنتقلت إلى قرب تمثال العذراء في بناء إشتراه المطران حدّاد على العقار رقم /1954/ كان منزلاً لم يكتمل، وحوله إلى مدرسة ذات أربع طبقات ومؤلفة من غرف فسيحة ومنورة وسماها ''مدرسة القديسة ريتا'' وفاءً لذكرى المرحوم ألفرد سكاف رئيس غرفة التّجارة والصّناعة والزّراعة في زحلة والبقاع الذي قدم قطعة أرض لتمويل بناء المدرسة. ونشأت مدرسة إبتدائية وتكميلية تتسع لحوالي ثلاثماية تلميذ...
المدرسة الوطنية الأميركية N.A.S. على أساس إتفاق مع أحد المستثمرين، تمّ هدم الأقسام المخربة في البناء المعروف «بمؤسسة أبو نعوم« في العقار /16/ و/383/ سهل كسارة، ثم تجديد سائر الأقسام وتحويلها إلى قاعات للتدريس، وأصبح مدرسة إبتدائية - تكميلية - ثانوية ذات برنامج إنكليزي وفرنسي، تنبسط في سهل فسيح يمتد فيه النظر دون حدود، وللمطرانية حق الإشراف على وضعها التربوي وتحصيل إيجار سنوي مقابل إستثمارها. خلال ربع قرن من أسقفيته، كان المطران حدّاد يعيش هموم المؤسسات التابعة للمطرانية. ينام وفي رأسه ألف فكرة وفكرة، ويستيقط ليبدأ اجتماعات لا تهدأ أو تتوقف تخطيطاً ومتابعة لما تقرر إنجازه. هذه الحركة الدائمة أثمرت تجديدات وتغييرات في كل المؤسسات التابعة للمطرانية، من «مقام سيدة زحلة والبقاع« الذي إرتدى حلة جديدة وجرى تبليطه بالرّخام إلى «مستشفى تل شيحا« الذي أصبح يزخر بأحدث التجهيزات، إلى «الجمعية الخيرية« التي تبلسم جراح المحتاجين، وغير ذلك من المؤسسات التي أعطاها كل جهده واهتمامه.
مقام سيدة زحلة والبقاع أصر المطران حدّاد على أن يجعل من «مقام سيدة زحلة والبقاع« مزاراً عالمياً يتمتع بكل مواصفات المزارات الكبيرة. وعلى أن يصبح «جبل خلوة وصلاة وراحة داخلية للنفوس المصلية خاصة للمتألمين والمحزونين وأصحاب الحاجات«. فحقق الأمور التالية: 1- بدأ بطلب إخلاء القوات السورية لمنطقة المقام حتى يتيسر للزوار الدخول إليه بسهولة. 2- أعاد تنظيم العمل، فصرف العائلة المقيمة وإستبدلها بموظفين يتعاقبون دورياً طيلة اليوم، وحوّل البيت إلى قاعة لإجتماعات اللجنة وأخرى للمحاسبة وحاجيات الزينة. 3- بنى، بعد حفر تسعة أمتار في العمق، كنيسة كبيرة تتسع لحوالي ألف شخص، وإلى جنبها قاعة منورة بألواح الزجاج وغرف أخرى للكاهن ولخدمات الكنيسة، والكنيسة تستعمل قاعة متعددة النشاطات. 4- بنى غرفة كلها شبابيك تشرف على ساحة المقام، تأميناً لمراقبة السيارات المتوقفة والزوار. 5- بنى غرفة كبيرة فنية لعرض التذكارات الدينية مع موظفة بدوام كامل. 6- أما المشروع الأكبر، فكان صيانة «تمثال العذراء البرونزي« وتأهيل البرج وأدراجه وتلبيسه بالبلاط الإيطالي ''الكارارا'' الأصيل وتزويده بإنارة فنية ممتازة بفضل تبرّع مدير عام شركة كهرباء زحلة، المهندس أسعد نكد، فأصبح يطل بأنواره على كل نواحي الجبل والسهل يدعو المصلين. 7- وكان المشروع الممتاز «كابيلا للقديسة ريتا« ذات مواصفات هندسية وفنية عالية، مطلة بشكل مدروس على مدينة زحلة، وتحفظ فيها ذخائر للقديسة ريتا إستقدمها من «كاسيا« مقدم المشروع المهندس أسعد نكد. 8- نشّط عمل اللجنة العلمانية الساهرة على المقام، وعين ثلاث كهنة يومنون كل الخدمات الروحية ضمن دوام يومي. 9- بذل عناية خاصة ويومية بالاشجار والأغراس حول المقام، فأصبحت الساحة جنة خضراء تساهم في تقديم الراحة والسلام لنفوس الزائرين. 10- بنى على نفقته الخاصة قاعة جديدة لمختلف نشاطات الشباب والزوار: «لقاءات روحية، محاضرات، إجتماعات، إلخ«... تتسع لمئة شخص، وفوقها مكتب فسيح لاجتماعات لجنة التمثال.
مستشفى تل شيحا منذ السنة الأولى لأسقفيته، خطط المطران حداد لتجديد مستشفى تل شيحا، وهو «مؤسسة الخير والمحبة« ووجه كنيسة الروم الملكيين المشرق في سهل البقاع. وخلال خمسة وعشرين سنة، أصبح المستشفى ورشة دائمة، سواء في تجديد جميع الأجنحة من ناحية العمران أو زيادة أقسام أخرى هامة لتقوية رسالته وفائدته، أو تجهيز جميع الأقسام بمعدات جديدة متطورة، أو بوضع تنظيمات شاملة لكل أعمال وحياة المستشفى، مما جعله يعتبر بين المستشفيات المرموقة في لبنان. وقد قدرت كلفة هذه الأشغال بحوالي عشرين مليار ليرة لبنانية، وهنا أبرزها: - تحويل «مأوى العجزة« الذين نقلوا إلى «دار السعادة للمسنّين« في كسارة، إلى جناح حديث للولادات وغرفة للعمليات النسائية. - بناء جناح جديد للأطفال كامل التجهيز فوق جناح الولادات. - نقل المطبخ إلى مكان ملاصق للمستشفى، وتوسيعه مع غرفتيّ براد للمواد الغذائية، ومستودع كبير لكافة المواد التي يحتاج إليها المستشفى. - تحويل مكان المطبخ القديم إلى جناح للصيدلية: مكتب الطبيبة المشرفة ومستودع للأدوية موزعة في خزانات خاصة توزيعاً عملياً يسهل الحصول عليها عند الطلب. - بناء جناح جديد للغسيل والخياطة فوق المطبخ، مع معدات جديدة. - بناء جناح جديد يضم معدات غسيل الكلى وبنك الدم وتفتيت الحصى والمختبر المركزي الكبير ومختبر الأنسجة وغرف معاينة للأطباء. - بناء جناح جديد للصيانة، وفوقه بيت لسكن الراهبات العاملات في تقديم الخدمات الروحية للمرضى وأهلهم ولتوجيه الممرضات. - إستحداث قسم المعالجة لأمراض السرطان ''راديوتيرابي'' بالتعاون مع مستشفى قلب يسوع، وبناء جناح خاص مستقل لهذه الغاية ساهم في سدّ حاجة ملحة لدى أهل البقاع. - شراء مولّدين كهربائيين «بقوة خمسماية وستماية كيلو فولت أمبير«، وبناء مكان مجهز فنياً لوضعهم داخله. - إجراء كشف على كل البنية التحتية للمستشفى، وتجديدها تجديداً كاملاً لمنع تسرب الحشرات والروائح. - إعادة تأهيل الساحة الداخلية الجنوبية بمدها بالباطون المسلح كموقف لسيارات الأطباء. - عملية تجديد شاملة لكل غرف الإستشفاء في كل الطوابق، وتجهيزها بآلات التبريد وبالتلفزيونات.، وإستبدال كل المعدات الطبية المستعملة في جميع الأقسام بمعدات جديدة حديثة. - تحويل بناء العمليات القديم إلى جناح يضم قسم تمييل شرايين القلب والأطراف بواسطة آلة تعتبر من أحدث الآلات في لبنان - قسم أبحاث القلب السريري بأجهزته الحديثة - قسم ''ليزر'' العيون. - تجديد المصاعد القديمة لمختلف الأقسام وشراء مصاعد جديدة قوية. - إنشاء قسم للأشعة مزود بأحدث الآلات: «سكانر - الرنين المغناطيسي - التصوير الصوتي - آلة تصوير بانورامية«... يلبي كل حاجات تصوير المريض. - إنشاء جناح مجدد «للعناية الفائقة«، ذو هندسة عملية تمكن الممرضات في مكتبهن من مراقبة جميع المرضى، وغرف مشرفة على منظر جميل لزحلة وسهلها. - تجديد قسم الطوارئ على المدخل الشمالي للمستشفى، وتجهيزه بالمعدات المناسبة. - إنشاء جناح جديد للعمليات من أربع غرف، مجهز بأحدث الآلات ومصمم حسب المواصفات العصرية، وقد وضع محل قسم الأطفال الذي بني له جناح خاص. - بعد أن نقلت مدرسة التمريض إلى الجامعة اليسوعية في ضهور زحلة، تم تحويل المكان إلى قاعة حديثة للإجتماعات الكبيرة ومعدة لكل النشاطات، وإلى جنبها مكتب ومكتبة وغرفة إجتماع للأطباء. - إجراء تغييرات جذرية في مدخل المستشفى الشمالي الرئيسي: «غرفة إنتظار - دكان لبعض لمبيعات - مركز للسنترال وكل الإتصالات - مكتب واسع للمدير العام وآخر صغير للسكرتيرة - مستودع للأرشيف نظمت فيه علمياً - جناح للمحاسبة من عدة مكاتب مع صالون إنتظار - حديقة جميلة مقابل مدخل المستشفى في وسط البناء عن نفس المرحوم النّائب السّابق الدكتور جوزف الهراوي الذي يشهد له بالإخلاص والعمل - مكاتب لكافة الموظفين في الإدارات التي لها علاقة بالمستشفى. - بناء جسر يربط أجنحة التوليد والأطفال بأقسام العمليات وغرف المرضى.
الجمعية الخيرية الكاثوليكية تكملة لأعمال الرحمة التي يقدمها مستشفى تل شيحا للمرضى المعوزين، تدير المطرانية بواسطة لجنة من العلمانيين مؤسسة يعود تاريخها إلى سنة 1885، هدفها تقديم مساعدات متنوعة لأبناء الطائفة الفقراء. والجديد الذي قام به المطران حداد أنه: خصص لها قاعات ملاصقة للمطرانية لإجتماعاتها المتنوعة مع المرشد ولإستقبال المحتاجين وتوزيع المساعدات عليهم، وقد فتح أبوابها لكل محتاج دون تمييز بين طائفة أو أخرى ورفع مستوى توزيعاتها في السنة من المازوت والأدوية والمواد الغذائية والملابس والمنح المدرسية المحدودة كما أفرد لها غرفة لإستقبال أدوية من متبرعين وتوزيعها بإرشاد طبيب إلى المرضى كأنّها في مستوصف صغير، وأنشأ فرعاً جديداً بإسم ''أصدقاء المسنين'' تابع لها للإهتمام المباشر بحوالى مئة من المسنين في المدينة والجوار أو في مأوى العجزة فتقدم لهم المساعدات الطبية على أنواعها وتوفر لهم الدفء والأمان وما يحتاجون إليه من غذاء وثياب إلى جانب القيام برحلات الترفيه والتسلية مكملة بذلك عمل الجمعية الأم.
رعايا زحلة وقضائها كما سعى المطران أندره حداد خلال خمسة وعشرين سنة من أسقفيته في زحلة والبقاع إلى تحريك وتنشيط عدة ورش من بناء وترميم وتجديد في كل مؤسسات الابرشية، تحقيقاً للشعار الذي طرحه عند تسلّمه كرسي المطرانية في زحلة: ''نحن هنا وسنبقى''. وفي هذه الصفحات المقتضبة، نلقي الضوء على حصيلة الإنتخابات في عهد المطران حدّاد التي أدخلت على الكنائس القائمة وترميمها وتجديدها مع بيوت الكهنة والصالات التابعة لها، كما ونبرز الكنائس الجديدة التي بنيت في عهده وأسقفيّته التّاريخيّة طيلة ربع قرن.
الانجازات في عهد المطران اندره حداد: 1- بناء كنائس جديدة عدد 7 2- ترميم وتجديد كنائس عدد 29 3- بناء قاعات راعوية جديدة عدد 24 4- ترميم وتجديد قاعات راعوية عدد 7 5- بناء بين للكاهن عدد 8 6- ترميم وتجديد للكاهن عدد 7 |