![]() |
|
جبروت «البيت الأبيض الطائر«... في طائرة الرئيس «اير فورس وان« Air force One
كان فرانكلين روزفلت أول الرؤساء الأميركيين الذين سافروا عام 1943، على متن طائرة ستثنائية قادرة على اصطحاب الرئيس إلى أنحاء العالم براحة وأمان. ومذاك أصبحت الطائرة رمزاً لقوة السلطة الأميركية ورئيسها. الصورة دخلت التاريخ، إنها تعرض على التلفزيون مباشرة: الرئيس الأميركي يسافر. يتجه بثقة تامة إلى طائرة الـ «مارينز« المروحية التي حطّت في إحدى حدائق البيت الأبيض. في هذه اللحظة تحديداً، على بعد 25 كيلومتراً من واشنطن، في قاعدة أندروز الجوية في ميريلاند، يبدأ رئيس المضيفين على متن طائرة الرئيس العدّ العكسي: «بعد 10 دقائق يكون الرئيس على متن الطائرة«. يستعد «أفراد الطاقم الـ 26«. مع أنهم الأفضل والأكثر خبرة، يكون التوتر في أوجّه. رجال الإستخبارات السرية يحيطون بالطائرة. عندما تكون المروحية «مارين وان« على بعد 30 متراً من الطائرة، تبدأ محركاتها بالهدير. يخفف المستشارون الذين ترجّلوا من «الطائرة المروحية« مع الرئيس من سرعة خطواتهم ليدعوا الرئيس يصعد وحده درج الطائرة. يمنع ظهور أي شخص معه في الصورة. إنها طائرته. غالباً، لا يحضر أي شخص الإقلاع. ولكن «الرئيس« غالباً ما يعجز عن مقاومة الرغبة في إلقاء التحية حتى لو لم يكن أحد على مرأى منه، عندما تطأ قدما «الرئيس« متن الطائرة يسمع «برج مراقبة أندروز« الجملة التقليدية التي يتفوّه بها القبطان عادة: «نحن الآن Air force one«. ليست تلك المعلومة بأمر بسيط عندما يسافر الرئيس، يكون الجيش كله متأهباً. فالطائرة تبقى هدفاً رمزياً. لذا لها الأولوية المطلقة في المطارات والجو الأميركي. الدعوة على متن ال «طائرة 747« الرئاسية والصورة الملتقطة مع الرئيس تسمحان أحياناً لسيناتور بزيادة شعبيته في استطلاعات الرأي التي تسبق الإنتخابات. الرئيس ريغين، الممثل سابقاً، كان يحب ظهور الطائرة في خلفية الصورة لدى إلقائه خطاباً دبلوماسياً مهماً، إنها بمثابة «قصر طائر«. كان جون كينيدي يقول: «من يعتبر الرئاسة من أصعب مهن العالم، لم يسافر يوماً على متن الـ Air force one«. وجون هو أول من أدرك تأثير الطائرة النفسي في الحشود، وهو من جعل اسمها علنياً بعدما كان يستخدم حصراً للجيش. وقد أمر بكتابة إسم «الولايات المتحدة الأميركية« على الطائرة واختارت زوجته جاكي اللون الأزرق. وكذا غدا «البوينغ 707« العصري مركز عمل حقيقياً ورمزاً لعظمة البلاد التي كان تحارب آنذاك الشيوعية. وكان كينيدي يحب كثيراً الترجّل من الطائرة والتوقف قبالة عدسات تلفزيونات العالم. كثيرة هي صور رحلاته في الطائرة ممدّداً في سريره الكبير، والسيكار في فمه، مسترخياً وهو يقرأ الجرائد فيما تتولّى جاكي رعاية الأولاد.
قنـــاع وما إن يدخل الرئيس الطائرة، حتى يسقط القناع. الرجل مختلف، يتخلّى عن الحائط الذي يفصله بالآخرين ويظهر شخصيته الحقيقية. «على متن الـ Air force one، يتسنى لك رؤية الرئيس الإنسان يعلق كارل روف الرجل الأقرب من الرئيس الحالي والراحل قريباً جورج دبليو بوش. وللمحافظة على عادته اليومية باجتياز 3 كلم يومياً ركضاً زوّد بوش الطائرة بسجادة ركض آلية. عندما يكون في الجو، يحب لعب الـ «ريسك«، ومتابعة البرامج الرياضية على شاشات التلفزيون العملاقة. والرئيس الأميركي الـ 43 متديّن. وقد أثار قراره بإقامة قداس على متن الطائرة في إحدى رحلاته إلى السالفادور جدلاً محتدماً. وكثيراً ما يستفيد الرئيس من السفر للاسترخاء فيخلع بذّته الرئاسية. الرئيس كلينتون كان يحب ارتداء الـ «جينز« والـ «تي شيرت«. وصمّم للروساء أخيراً قميص خيّط عليه اسم الرئيس. أثناء رئاسة كلينتون كانت الطائرة تتحوّل إلى ناد للشباب إذ كان الرئيس يجمع حوله المستشارين الشباب للعب الورق أو مشاهدة فيلم. كان يحب الجمع فعالمه قائم على صحب الشباب.
شخصية الرئيس ةتعكس الطائرة شخصية كل رئيس فهي تتحوّل إلى ملكية خاصة. فليندون جونسون مثلاً كان يرهب الطاقم بمزاجه المتقلب ولكنته الجارحة خصوصاً حين كان يثور غضباً فيهرع عارياً قبالة طاقم إدارته. ولكن الكل كان يحب رونالد ريغن. في الـ 70 من عمره كان ريغين يكره الرحلات الرسمية ويشاهد «نعمة السعادة« قبل اجتماعه بالروس. كان يحب رؤية أميركا من «كوة الطائرة«. معدداً أسماء المدن التي تمر فوقها الطائرة. كان دائم الإبتسامة لا يتحدث مطلقاً عن السياسة وشديد اللطافة مع الطاقم. معه لم يكن من فسحة للإرهاق إذ كان الرئيس حريصاً على تحضير خطاباته مسبقاً. وبعكس الشائعات المنتشرة حوله، على متن الطائرة كان ريغن رئيساً لطيفاً، ومنتظماً، منهمكاً في قراءة السير والملفات التاريخية. «للطائرة الرئاسية« أثر لا مثيل له على الرؤساء. في جو الطائرة الحميم يميل الرؤساء كلهم إلى البوح بأسرار سياسية. كادت الطائرة تكون «جنة صغيرة« لولا وجود الصحافيين العشرين الدائم. مهمتهم إيصال أي إعلان رئاسي خلال الرحلة إلى وسائل الإعلام. وقد حاول ليندون جونسون طرد الصحافيين من طائرته مراراً لكن دون جدوى. اليوم خصّصت للصحافيين غرفة مريحة في مؤخرة الطائرة لكن لا يحق لهم مغادرتها من دون مرافقة. في بداية تسلمهم للسلطة يغامر معظم الرؤساء بزيارة الغرفة «القاتلة« ليعدلوا عن زيارتها بعد بضعة أسابيع ليس إلا، ذلك أن التفوّه بأي جملة على ارتفاع 12000 متر قد يكون ثمنها باهظاً، فما من جهاز يطفأ على متن الطائرة. كينيث تي والش «رئيس مراسلي« البيت الأبيض لدى مجلة Us News news & World report سافر أكثر من مئتي مرة على متن الطائرة. وهو مؤلف أفضل كتاب وضع حول الطائرة الرئاسية. غالباً ما كان الرئيس ينصح بالإنتباه إلى ما قد يتفوّه به في غرفة الإعلام ومن لم يصغ إلى النصيحة دفع ثمناً غالياً. ريتشارد نيكسون كان أول من بنى «حائطاً« سميكاً يفصله عن الصحافيين. وقد وصفه أفراد الطاقم «بمدمن عمل يمضي وقته في كتابة الملاحظات. كان ينفده بنفسه في غرفته الواقعة في مقدمة الطائرة غارقاً في أفكاره.« كان متطلباً للغاية وغالباً كان كان يردّ الأطباق إلى المطبخ لأنه لا يستسيغ طعمها. كان يكره النوم في الطائرة ولم يمض فيها أي ليلة أبداً على غرار كلينتون حين كان متخبطاً في فضيحة مونيكا لوينسكي، كان نيكسون عند مروره بالأزمات يستقل الطائرة ليجول حول العالم ويترك همومه وراءه. وهكذا كانت الطائرة ملجأ يقي الرؤساء الهموم وقد شهدت الطائرة أغرب التصرفات والأمزجة والإنفعالات والتوترات. إلا أن أسوأ يوم في تاريخ الطائرة باستثناء الـ 22 من تشرين الثاني 1963 في دالاس يوم إغتيال الرئيس جون كينيدي، هو 11 أيلول 2001، حين قيل أن الطائرة الرئاسية قد تكون الهدف التالي خلال الهجوم الإرهابي بالطائرات على نيويورك وواشنطن. خلال الجنازات الدولية الكبرى تحرص أميركا على إظهار صورة مجتمع موحّد للعالم فيدعو الرئيس أسلافه الرؤساء لمرافقته على متن الطائرة. بين الأسلاف والخلفاء يضيع البروتوكول. أثناء الرحلة التي كانت تقل الرؤساء لحضور جنازة إسحق رابين في إسرائيل، نام كلينتون في السرير الرئاسي الوحيد، فيما شغل جورج بوش الأب وجيمي كارتر غرفة ضمّت أرائك فاخرة. أما بوش الإبن الذي كان يحب تمديد رجله، فاختار افتراش الأرض ليفاجأ عند استيقاظه بجيمي كارتر ممدّداً على بعد متر منه. |